المغرب يضيء “إفريقيا وأوروبا” ويتحول إلى فاعل طاقي وازن
في تحول لافت يؤشر إلى صعود قوة طاقية صامتة في الضفة الجنوبية للمتوسط، سجل المغرب لحظة مفصلية في مساره الطاقي يوم 28 أبريل 2025، حين ضخّ بشكل عاجل 900 ميغاواط من الكهرباء نحو إسبانيا عبر خطوط الربط البحري في مضيق جبل طارق، لمساعدتها على تجاوز أسوأ أزمة كهربائية في تاريخها، حيث فقدت أكثر من 60 في المئة من قدرتها الإنتاجية في ظرف خمس ثوان فقط.
هذا التدخل السريع، الذي شكّل طوق نجاة لجارته الشمالية، لم يكن مجرد استجابة تقنية ظرفية، بل تجسيد فعلي لتحول المغرب إلى فاعل إقليمي محوري في أمن الطاقة، بعدما راكم خلال السنوات الماضية رصيداً من المشاريع والبنى التحتية جعلت منه شريكاً لا غنى عنه أوروبياً وإفريقياً.
من نيامي إلى مدريد، مروراً بنواكشوط، نسج المغرب خريطة نفوذ طاقي هادئ لكنها فعالة، مدعومة برؤية استراتيجية يقودها الملك محمد السادس، جعلت من “دبلوماسية الكهرباء” أداة لتوسيع التأثير السياسي والاقتصادي خارج حدوده. في النيجر، لم يكن تكريم وزير خارجيتها للسفير المغربي المنتهية ولايته مجرد مجاملة دبلوماسية، بل اعتراف صريح بالدور المحوري الذي لعبته المملكة عندما تخلت نيجيريا عن تزويد نيامي بالكهرباء عام 2023. المبادرة الملكية المغربية جاءت حينها في شكل محطة كهربائية متكاملة تضم تسعة مولدات بسعة إجمالية قدرها 22.5 ميغاواط، تم تركيبها وتشغيلها بدعم تقني وتكويني لفائدة المهندسين النيجريين، في لحظة عزلة دولية خانقة كانت تمر بها البلاد.
وفي غرب إفريقيا أيضاً، اختارت الرباط تعزيز شراكتها مع نواكشوط في مجال الطاقة المتجددة من خلال توقيع اتفاقيتين في مستهل 2025، واحدة على المستوى الوزاري والثانية بين مؤسستي الكهرباء في البلدين، ضمن ما يُعرف بالمبادرة الملكية الأطلسية. المشروع يهدف إلى تحقيق تكامل طاقي إقليمي وتأسيس نموذج تنموي مستدام يراهن على الموارد المتجددة، مع ما يستتبعه من تعزيز السيادة الطاقية لموريتانيا وربطها بشبكة أوسع في المنطقة.
أما في أوروبا، فقد باتت الرباط رقماً صعباً في معادلة أمن الطاقة، بفضل بنيتها التحتية المتطورة التي تشمل ثلاثة كابلات كهربائية بحرية عبر مضيق جبل طارق، بسعة تشغيلية تصل إلى 1400 ميغاواط، إلى جانب قدرة إنتاجية وطنية تتيح لها تلبية الطلب المحلي ودعم الشركاء عند الحاجة، كما فعلت مع إسبانيا مؤخراً حين خصصت أزيد من 38 في المئة من إنتاجها لدعم شبكة جارتها الشمالية. رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز لم يتأخر في التعبير عن الامتنان للمغرب، ووسائل الإعلام في بلاده لم تخف انبهارها بالجاهزية المغربية العالية.
المغرب، الذي كان يُنظر إليه تقليدياً كبلد عبور للطاقة فقط، أصبح اليوم منصة إنتاج وتوزيع وتحكّم، يتقدم بثبات نحو موقع الريادة الإقليمية في مجال الطاقات المتجددة، مستنداً إلى مزيج من البصمة الجيوسياسية والاستثمار التقني والدبلوماسية النشطة، ليكرّس مكانته كقوة طاقية ناشئة في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
صوت الأحرار