كتاب واراء

الأستاذ إدريس المغلشي يكتب.. لم تعد تزهر شقائق النعمان

صوت الأحرار / بقلم ذ. ادريس المغلشي


في فصل الربيع تثوق النفس للحرية كما تخرج النبتة من عتمة التراب إلى فسحة الحياة ومن عمق وقوة تقلبات مناخ مكهرب تلفه غيوم وأمطار عاصفية إلى النسيم العليل .

فصل الشتاء حين يغضب لاتعرف الطبيعة له استقرارا . نتحمل كل هذه الزمجرة المخيفة بل نرفع أكف الضراعة كلما نضبت الوديان أملا في مستقبل مزهر تلبس فيه الأرض حلتها القشيبة كأنها عروس تزف في نشوة وفرح لاحدود له.كيف لا والأزهار بمختلف تلاوينها تتمايل ترحيبا.

لكن مايثيرني في زمن الفرح زهرة شقائق النعمان لوحدها تلك النبتةالزاهية الباهية ربما لكونها لاتصمد كثيرا كالباقي فتغادر مستعجلة الرحيل دون أن تترك لنا الفرصة للإستمتاع بنضارتها وجمالها هكذا كل شيء جميل لايطيل البقاء.أو لأن ترديدها على لساني كثيرا مايحيلني على إبداع أدبي متميز لمحمد الماغوط وآداء الفنان دريد لحام في مسرحيته المشهورة .

لا أدري ..لا أدري ما السر في استحضار اسمها العجيب مع بشائر فصل الربيع . فواحة ذات اللون الأحمر القاني والأسود الغامق وكأنها استوحت عبقها واريجها برومانسية فاتنة من كتاب (ستوندال) (le rouge et le noir ).تزاوج بين رقي البلاغة وعمق المشاعر . اختفت ملامح بهجة الربيع ولم تعد تغري النفس بفسحة هروبا من صور تتوالى وهي ترسخ تارة للتفاهة والانحطاط و أخرى للقمع والاهانة هكذا تتوازى بشكل اوتوماتيكي فالاولى ظل للثانية تكسر في دواخلنا عشق الحياة والحرية .

نثوق دائما لتنسجم الطبيعة بزينتها النضرة مع مستوانا المعيشي وكيف نجعل من فصل الربيع لحظة تتويج وانضاج لمطالب كنا نرعاها كرياحين واقحوان حتى تزهر لأطول مدة دون ان نترك يد غاصب تمتد إليها لتقطفها أو تدوسها بأرجل قذرة في غفلة منا او تهاون وتراجع .

مارس حزين هذه السنة .شهر لم تزهر فيه تلك الزهرة كما هي العادة كلما أمطرت وتفاءل البعض وهو يسابق أحلامه وطموحاته دون تقدير وضع.يمشي بنا إلى الخلف .لسنا سوداويين ولا محبطين لكن كل المؤشرات تقول أن الساحة لم يعد فيها موجه أخلاقي ولا بوصلة ووضوح سياسي كل الأوراق احترقت ومن يروجون أن الأمور بخير فعليهم أن يقدموا الدليل .

هناك البعض الذي يقف تحليله عند أرنبة أنفه حين يعتبر أن الحياة مسألة مأكل ومشرب وغض الطرف ولتذهب كل الحقوق الأخرى إلى الجحيم .نسائله في تلك النقطة الوحيدة التي استند اليها في طرحه وهل الكل مع هذه الظروف العصية والقاسية يتمتع بها لا أظن وكلنا أمل أن تزهر كل الحقول خصوصا في مواقع مهمشة من موطني . لم تعد حمراء قانية فقط بل تعدتها لتسيل دموعها في أروقة الشوارع والازقة الضيقة .

حين تختنق الحرية ولم يعد هناك متنفس للرأي الآخر وتصبح طاولة الحوار لعقد لقاءات صورية غير مجدية ولاتساهم في تعزيز الثقة بين كل الشركاء وعوض أن يجالس الوزير النقابات ويساهم في حلحلة الملفات الشديدة التوثر والتي أبان المتضررون فيها عن نضالية وصمود يفوق درجة الحيف.

سجل ياتاريخ…! العاصمة تعيش أحلك لحظاتها في القمع والمطاردات الهوليودية في حق نساء ورجال التعليم لا لشيء لانهم بكل بساطة طالبوا بحقوقهم المشروعة .لو دبرت الدولة الحوار بنفس درجة إتقانها للقمع ومحاصرة المحتجين لكنا أفضل حالا.

ولاستطعنا القضاءعلى كل مظاهر الإحتقان التي أصبحت منتشرة في كل مكان .ان أحلامنا المجهضة تصطدم دائما بتعنث غير مفهوم يجعلنا نتساءل ماسر هذا العنادالذي يقف سدا منيعا ضد كل طموح مشروع ؟الم يحن الوقت للاعتراف بان هناك ردة حقوقية تحتاج منا لاعادة النظر من اجل تصحيحها و بعث الامل في نفوس المواطنين؟ وليجعلنا فعلا نعتز بوطننا لاننا جديرون بالعيش على ترابه بكرامة وبكل نفس ابية لاتقبل الا هذا الشرط ومادونه هراء في هراء .

في نقاش عابر على رصيف مقهى خاطبني صديقي بإعجاب كبير .”الله يعطيك الصحة .” معجب بما تكتب ” عطيتي ليهم الدق .ماعندي مانقول … وهلم جرا من كل أنواع الإطراء التي تجعلك تشك في تقديرات الرجل ..

صحيح الكل أشهر سيوف النقذ للحزب الحاكم وأمطره بوابل من التنقيص حين تختل موازين الأخلاق يصيب الإنحطاط جل الميادين . لكن لا أحد يفكر في طرح البديل بعد كل هذا الإنهيار المدوي .اتمنى ان يكون الغد أفضل فالإنسان بطبعه متفائل .فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل …!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى