ثقافة وفن

الأدب الأندلسي.. حكاية رحلة انطلقت من الفردوس المفقود عبر حضارات الجدود

ولادته ونشأته وتطوره بين التأثير والتأثر

بقلم: حنان الطيبي

لا شك أن الأدب الأندلسي بحر زاخر من الجواهر والدرر النفيسة التي تستحق الدراسة والتمحيص، فهو ليس فقط محطة من محطات الأدب العربي بل يتجاوزه إلى كونه بوابة من البوابات الثقافة العربية إلى أوروبا وخصوصا إسبانيا.

 و قد أطلق على الأندلس جنة الله على أرضه والفردوس المفقود لأنها تميزت بجمال طبيعتها وتنوع تضاريسها واعتدال مناخها وغزارة مياهها وخصوبة أ وخضرة أرضها.

ويجدر الذكر بأن الأدب الأندلسي بشكل عام مر بدورة حضارة، طبعتها علاقة تأثير وتأثر بين المشرق والمغرب وأوروبا؛ إذ أنه لم يتوقف عند محطة معينة في دورته بل أنه نهل وأعطى وزاد واخذ ورد إلى أن أصبح الرائد في الأدب العالمي في شعره ونثره على السواء.

فكيف نشأ الأدب الأندلسي وكيف أثر وتأثر في وبالآداب الأخرى؟

مرحلة ما قبل النشأة (التمخض):

إن قضية بداية الأدب الأندلسي ونشأته هي ضرورة تحملنا إلى اللجوء الى التحقيب التاريخي والزمني للحقبة التي كانت نقطة انطلاقه؛ فبعد فتح المسلمين للأندلس توافد عليها العرب بشكل كبير وعاشوا فيها زمنا طويلا، فاختلطوا بأناسها وبثقافاتهم وحملوا معهم الأدب العربي والمشرقي لينعكس كل ذلك فيما بعد على كل الجوانب العامة للحياة المختلفة في نطاق البيئة الجديدة “الأندلس”على صعيد شتى المجالات وليس الأدب فقط، وتحديدا في عصر الولاة والعصر الأول لعصر الإمارة.

وقد حمل العرب معهم شيئا من “الشوائب” الفكرية والثقافية بين طيات الأدب العربي والمشرقي من تعصب للرأي وقساوة في التعبير والوصف ومن عصبية قبلية مابين العدنانية والقحطانية والقيسية واليمنية وغيرهم..؛ وخلال هذه الفترة لن يصح الحديث عن أدب أندلسي بعينه إلا كونه صورة طبق الأصل نقلها العرب من المشرق إلى الأندلس حيث ظل الأمر كذلك زمنا طويلا حتى مرحلة دخول عبد الرحمان الداخل مؤسس الدولة الاموية، والذي بقي ملكا عليها لأزيد من ثلاثة عقود، وحتى في عهده ظلت نفس العقلية الشرقية والعصبية يعكسها الأدب المشرقي في الأندلس.

هذا ولأن حضارة العرب تأثرت بالحضارات الفارسية واليونانية وغيرها.. أصبحت لها تأثير بدورها في المشرق عموما وفي الأندلس بالتحديد… ومن الطبيعي أن تكون الحضارة العربية بمزيجها ملهمة للآداب الأخرى مثل الآداب الأوربية  التي فقدت قيمتها في العصور الوسطى والتي ارتكزت بالأساس على الأدب العربي.

ثم وقد حاول عبد الرحمان الداخل القضاء أو بالأحرى التقليص من هذه العصبية العربية، وأسس ما يعرف بالوحدة الداخلية بحيث لم يعد هناك عصبية قبلية ولا تفرقة بين عدناني وقحطاني ولا قيسية ولا يمنية، وإنما أصبح مجتمعا أندلسيا متكاملا وموحدا، حيث وحينها يمكن الحديث عن بداية تشكل أدب أندلسي متجل في مجتمع أندلسي ووحدة أندلسية وولادة أدب أندلسي,

نشأة الأدب الأندلسي:

وبعد مسألة التخلص من “الشوائب” الأدبية الفكرية، تم ما يشبه انصهار للأدب الأوروبي الإسباني مع الأدب العربي المشرقي لتأتي نشأة أدب جديد وهو الأدب الأندلسي.

وجدير بالذكر أن الأدب العربي رغم ما كان يحمله من “شوائب” فإنه أدب متجذر وليس حديث العهد في الأندلس؛ فقد وجد الأدب العربي قبل مجيء الإسلام، وكان يعرف بالأدب الجاهلي، ثم لا ننسى أن العرب هم أصحاب الكلمة؛ حتى أن الله عز وجل أوجد معجزة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم، وإعجاز القرآن في بلاغة الكلمة وخصائصها وجمالها وعذوبتها.

ولهذا تم طرح مسألة إذا ما كان الأدب الأندلسي مستقلا بذاته أم أنه صورة انعكاسية للأدب العربي فقط، وهو الطرح الذي توجه فيه المتخصصون والباحثون إلى كون الأدب الأندلسي هو أدب عربي أصوله من الأدب المشرقي لكن بناؤه وتشكله هو مرتبط بالثقافة والحضارة الأندلسيتين وبالبيئة  الجديدة المتمثلة في البنى الداخلية للشعر؛ فالكلمة العربية انتقلت إلى حضارة وبيئة جديدتين.. بمعنى أن  الأدب الأندلسي أتى بصيغ جديدة ولو أن الكلمة بقيت هي ذات الكلمة؛ فالأندلس هم العرب والبربر والسقالبة والسكان الأصليون واليهود والمسيحيون والمسلمون على السواء.. وبدون هذه الخلطة لا يمكن التحدث عن الأدب والحضارة الأندلسية، فكل هذا كان له تأثير على الكلمة.. وهذا طبيعي جدا بحكم الاختلاط الثقافي، بل وقد اتجه أغلب الباحثون في المجال إلى أن الأندلس كان لزاما عليه أن يكون بلسان عربي.

ولا ننسى أن المسلمين قد حكموا الأندلس زهاء 800 سنة، حيث تكون المجتمع الأندلسي من عدة أعراق وأجناس جعلته متميزا لبناء حضارته، وكذا مجتمعا يحتدى به في التعايش والتسامح الديني حيث اجتمعت الديانات السماوية الثلاث لتعيش جنبا إلى جنب رغم اختلاف العرق والدين.

وبغض النظر عن الأطياف البشرية مثل ما كان من الفرس واليونان والهنود الذين ساهموا في بناء الحضارة العباسية وعلى سبيل المثال “سيباويه” والذي لم يكن عربيا إلا انه تعرب وأصبح “إمام النحاة” وكتابه يسمى “قران النحو”.. فالصبغة العامة هي ثقافة عربية لكن لا يمنع أن يكون لها روافد عربية.

كيف انصهر الأدب العربي ليولد الأدب الأندلسي؟:

اتخذ الأدب الأندلسي أولى خطوات حبوه مع ظهور الاتجاه المحدث في الشعر عند أبي نواس وعند أبي تمام، وقد وجد له انعكاسا في الأندلس؛ فالتجاور الذي كان بين الاتجاه المحافظ القديم والاتجاه المحدث استمر في الأندلس حتى إلى غاية المراحل الأخيرة، ففي مرحلة عصر غرناطة على سبيل المثال نجد بعض القصائد التي حينما تقرؤها تستعير لك فيها تناولا لبلاد نجد وصحرائها وظبائها وكأنها قصيدة قيلت في قلب نجد وفي مرحلة تاريخية قديمة جدا، وهذا لا يعني انه لا يوجد في المقابل  شعر التجديد بل على العكس فان شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي يحكي عن الثقافة وعن المرأة  ويعمل على تشكيل الصورة والتشخيص وشيوع الألوان داخل القصيدة الواحدة… بطريقة أكثر عمقا ووضوحا وتعبيرا عن بيئة جديدة جدا ومختلفة. 

هذا وقد انتقل الأدب الأندلسي بعد تشكله إلى مراحل وتقسيم زمكاني بتطوره، فتاريخ الأدب الأندلسي مر بمراحل سياسية وثقافية بداية من عهد الولاة والإمارة الأموية وعصر الطوائف والمرابطين والموحدين ومرورا بالعهد الأخير لملوك بني الأحمر، حيث استمرت الإغراض العربية القديمة مثل الهجاء والمدح والرثاء لكنها بعد ذلك اختلطت  في كل مرحلة وامتزجت فيما بينها في القصيدة الواحدة.. فقد اتخذ الأدب صورة مختلفة رغم استمرار الإغراض الشعرية، بحيث مثلا قد تحتوي القصيدة على الموشح والزجل والمزج في آن واحد بين المدح والرثاء، وهذا النمط الجديد أوجد الفكرة في نشأة الموشحات تلبية لحاجات الغناء.. فزرياب عندما دخل الأندلس قدم أشياء جميلة جدا مثل الشعر الغنائي والتوزيع بين الامتداد العرضي الطويل والقصير ليلبي هذا النوع من الموشحات لونا حضاريا أدبيا جديدا ومختلفا.

ويذكر أن هناك بعض الشعر نسب لامرئ القيس وكان فيه نوع من الخروج عن الشعر التقليدي (الصدر والعجز)، وكان للمتعصبين من المستشرقين والمستعربين الأسبان رأي آخر، حيث قالوا انه تشكل بناء على أغاني لاتينية والتي كان يسميها العرب “اللطينية” ؛ فنشأ ما يسمى ب “الخرجة” وهي أساس الموشح  وكذلك هي القاعدة التي بنيت عليها الموشحات.. وكانهم يقولون إن الموشح تقليدي ثقافي قديم في اسبانيا ولم يضف عليه الشعر المشرقي أية إضافة..

لكن الحقيقة أن التقسيم  المعهود والتقليدي للقصيدة  على شكل “الدور، البيت، الغصن” لأقسام الموشح هي في الغالب ليس من تأثير الأدب الاسباني وإنما  قاعدة من قواعد الغناء للموشح  وهذا النوع مكتمل ويحسب للحضارة الأندلسية.

عوامل أخرى ساهمت في تطور الأدب الأندلسي بشكل عام:

ساهمت العوامل السياسية والاجتماعية والبيئية في تطور الشعر والأدب الأندلسي بشكل عام، ويتمثل العامل السياسي في سقوط الأندلس وفساد الملوك والحكام مما أدى إلى رثاء المدن والممالك، أما اجتماعيا فقد تناول الشعر الأندلسي شعر المرأة الأندلسية بفضل الانفتاح واختلاط الأديان والأجناس مما شكل انفتاحا فكريا وتحقيقا للمساواة بين الجنسين، ثم  العامل البيئي في وصف جمال الأندلس على نحو عام فلولا البيئة الجميلة ما تطور الشعر الأندلسي وما اتخذ جمالية متميزة عن الشعر العربي.

هذا فضلا عن ولادة فن أخر من الأدب الأندلسي وهو ما يعرف بفن الموشحات في الأدب الأندلسي؛ فابتكارهم للموشحات ونظمها غير نظم القصيدة التقليدية جعل هذا الفن متميزا بذاته، كما انه هناك من جعل الموشحات من اختراعات الأندلس ونسبها إليهم،  لكن في المقابل هناك من يقول إنها عربية ووجدت في الأدب العربي والعصر العباسي قبل إن توجد في الأدب الأندلسي.

الأدب  في العصر الأندلسي وأغراضه شعرا ونثرا:

لقد اهتم الشعر الأندلسي بأربعة قضايا في الشعر إذ تناولت وصف الطبيعة ورثاء المدن والممالك وشعر المرأة الأندلسية والشعر الاجتماعي. أما النثر فقد انقسم إلى قسمين؛ الأول كان عبارة عن رسائل أدبية تأليفية؛ والتي تنقسم بدورها إلى رسالتين “طوق الحمامة” للمؤلف ابن حزم،  و”التوابع والزوابع” لصاحبها ابن شهيد. أما القسم الثاني فهو فن القصة الفلسفية قصة لحي بن يقظان.

ووصف الطبيعة فكان له الحظ الكبير في تناول مظاهر جمال الأندلس على نحو عام ووصف المائيات والأزهار والحدائق والرياض ومناجاة الطبيعة.

أسماء كان لها تأثير في تشكيل الأدب الأندلسي:

“زرياب” من بين الأسماء التي كان لها بالغ الأثر والتأثير في الأدب الأندلسي،  هو مغني ترك بلاط العباسيين وانتقل الى بلاط الأندلسيين واسمه الحقيقي علي بن نافع، وقد أطلق عليه إسم  “زرياب”  وهو اسم طائر اسود لما جمعه بين عذوبة الصوت وسمار البشرة وكان تلميذا لإسحاق الموصلي، مغني معروف في بلاط العباسيين، فاستقطبه الأندلسيون في اوائل مراحل القرن الثالث حيث كان الاندلس يستقطبون المفكرين والكتب والبعثات للنهوض بالحضارة الاندلسية، كما كانوا يبعثون بعثات علمية الى المشرق للاضطلاع على الرؤيا الحضارية والثقافية للعرب آنذاك.

وكان الأندلس يعتمدون على الترجمات التي أنجزت في المشرق في المشرق كان لا يقايض الاسرى بالاسرى عنذما يقع اسير من الروم في يده  (فقد كان يقايض الاسير بمخطوط او بكتاب وكانوا يقومون بترجمتها ونشطت في عهده الترجمة وكان قيمة  حرية الانسان مقابل مخطوط

وكان زرياب منافسا للأدباء والشعراء الأندلسيين رغم انه لم يكن اديبا الا انه استأثر باهتمام الناس والموسقيين والبلاط وكان يمثل واجهة للدولة الاموية التي كانت تقف موقف الند والتحدي حضاري وثقافي للعباسيين

وقد أسس مدرسة فنية وعلم الناس من خلالها الأناقة في اللبس وكيفية الجلوس إلى الأكل وطريقة الحديث والتهذيب في السلوكيات والأفعال الاجتماعية وهو ما يعرف في وقتنا الحالي بفن “الإيتيكيت”.

وشخصية زرياب دار حولها لغط كبير حيث نسب إليه سقوط الاندلس.. !!  حيث اتهموه بأنه واأثر في الناس واشاع موضوع الغناء وهناك من قال فيه ان الغناء الذي اشاعه هو سبب سقوط الاندلس رغم أنه عاصر بدايات القرن الثالث حيث كان ازهى العصور على الاطلاق ثقافيا وحضاريا واقتضاديا بالأندلس.

وإلى جانب زرياب أتى يحيى الغزالي وإسمه الحقيقي يحيى بن الحكم البكري الجياني بلقب يحيى الغزال، هو شاعر أندلسي عاصر خمس أمراء للدولة الأموية في الأندلس،وأتقن شعر الغزل والحكمة وقد سمي بالغزال لرشاقته وأناقته، وكان أيضاً دبلوماسياً ورحالة وفلكياً أندلسياً من القرن العاشر، ومن أوائل الرحالين الأندلسيين، وهو أشهر دبلوماسي لهذه المدة المبكرة من حياة الإسلام في الأندلس،

ويحيى الغزال من الشخصيات الأندلسية التي تركت آثارا مهمة في عدد من الجوانب كما تدل نسبته ينتمي في أسرة عربية أصيلة، وبلدته التي خرجته هي جَيّان التي كانت مركز كُورة في الأندلس. وكان للغزال مشاركة قوية في العلوم العقلية، واشتهر بلقب «العرّاف» لخبرته في علم النجوم والفلك، إضافة إلى خبرته ومعرفته بالعلوم النقلية، وكان موصول اليد بالدولة الأُموية وكان من جلساء الأُمراء حيث أسندت إليه بعض المهام السياسية ليتولى السفارة عنها في بعض الرحلات.

 يوسف الرمادي هو يوسف بن هارون الرمادي أبي جنيش وينتسب إلى قبيلة كانت تسمى بقبيلة كندة. وسُمّي بالرمادي؛ نظراً لأنه قطن في منطقة في المغرب كانت تسمى برمادة، حيث كان يسكنها أيضاً أحد أجداده. وتعلَّم الأدب العربي والشعر وصناعته وأيضاً صياغته على يَد يحيى بن هذيل، ومن أهر كتبه كتاب النوادر. وقام الخليفة المستنصر بالله بسجنه مع بعض الشعراء الكبار؛ وذلك بسبب شعر أظهر فيه ذمٌ للسلطان آنذاك. وفي أثناء تواجده في السجن، كتب الشاعر يوسف بن هارون الرمادي كتاب أطلق عليه كتاب الطير، حيث عمل على وصف كل الطيور.وكتب يوسف الرمادي العديد من المؤلفات الأدبية والقصائد الشعرية التي نظَّم أبياتها، حيث يظهر فيها أنه أتقن الكتابة باللغة العربية الفصحى، وكان من أبرز الأدباء والشعراء في العصر الأندلسي؛ كما اختلط مع كبار رجال الدولة كالأمراء والخلفاء وشيوخ الدين ورجال العلم في الأندلس

ابن زيدون الأندلسي هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي ولد في قرطبة من أسرة من فقهاء قرطبة من بني مخزوم، وتولى الوزارة لأبي الوليد بن جهور صاحب قرطبة، وكان سفيره إلى أمراء الطوائف في الأندلس، ثم اتهمه ابن جهور بالميل إلى المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية، فحبسه، وحاول ابن زيدون استعطاف ابن جهور برسائله فلم يعطف عليه. وبعدها تمكن من الهرب من السجن، ولحق ببلاط المعتضد الذي قربه إليه، فكان بمثابة الوزير.

وقد أقام ابن زيدون في إشبيلية حتى توفي ودفن بها في عهد المعتمد بن عباد. برع ابن زيدون في الشعر والنثر، وله رسالة تهكمية شهيرة، بعث بها عن لسان ولادة بنت المستكفي إلى ابن عبدوس الذي كان ينافسه على حب ولادة، ولابن زيدون ديوان شعر طُبع عدة مرات ومن أشهر قصائده قصيدته المعروفة بالنونية. وقد كان له أثر كبير في تشكل الأدب الأندلسي ثقافة وحضارة وسياسة.

ابن حزم الأندلسي وهو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خَلَفِ بن مَعدَان بن سُفيان بن يَزِيدَ، الأَندلسي القُرْطُبِي مولداً ونشأةً، فكان جده يَزِيدُ مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب -أَخِي معاوية مجتهد مطلق، وإمام حافظ، كان شافعي الفقه، فانتقل منه إلى الظاهرية، وافق العقيدة السلفية في بعض الأمور من توحيد الأسماء والصفات وخالفهم في أخرى وأصلَّ ابن حزم ما يعرف عادة بالمذهب الظاهري وهو مذهب يرفض القياس الفقهي الذي يعتمده الفقه الإسلامي التقليدي، وينادي بوجوب وجود دليل شرعي واضح من القرآن أو من السنة لتثبيت حكم ما، لكن هذه النظرة الاختزالية لا توفي ابن حزم حقه فالكثير من الباحثين يشيرون إلى أنه كان صاحب مشروع كامل لإعادة تأسيس الفكر الإسلامي من فقه وأصول فقه.

كان الإمام ابن حزم ينادي بالتمسك بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأثر في الأدب الأندلسي بكتاباته المختلفة وخصوصا الكتابات الصوفية والدينية بطريقة السهل الممتنع. هذا وقد أثرت إلى جانب هذه العوالم أسماء كبيرة أخرى مرورا بعصر ملوك الطوائف كالمعتمد بن عباد وابن الحداد وفي عهد المرابطين ابن خفاجة؛ وهو عهد لم يكن يشجع الادب كثيرا وان كانوا مجاهدين حتى أنه يذكر أن يوسف بن تاشفين كان لا يهتم بالشعر ولا بالأدب بقدر ما كان يهتم بالسياسة وبالجيش مما نتج عنه  خفوت الأدب .

وفي مرحلة الموحدين ارتفع عدد الشعراء الى حد الزخم كما انتشرت في هده الحقبة الفلسفة والطب إلى جانب الادب  حيث نشا التصوف الفلسفي الذي قدم في قالب شعري عند ابن عربي وابن سبعين والشوشتري وابن قزمان.

هذا وقد كان للترجمة فضلا كبيرا في نقل العلوم والأداب إلى الأندلس وتشكيل الأدب الأندلسي بنهله من الأداب الأخرى فعلى سبيل المثال عبد الرحمان الناصر كانت اهديت إليه مجموعة من الكتب  في علم النبات وغيره في العهد الاندلسي وطلب ترجمتها من اليونانية للعربية وازدهرت آنذاك زراعة النباتات بشكل كبير كما وبدا التاليف في علم النبات في هذا العهد.

كما تمت في الاندلس الترجمة من العربية الى اللاتينية بعد سقوط طليطلة ونشـأت “المدرسة الطليطلية للترجمة” ونقلت الفنون والآداب من الثقافة العربية الى الثقافة اللاتينية عن طريق مترجمين عرب ويهود.

مظاهر التجديد في الادب والشعر الاندلسي

يمتاز الشعر الأندلسي بسهولة الالفاظ وعذوبتها وحسن اختيارها، فاذا قيس الشعر الاندلسي بالشعر العباسي فان تراكيب الشعر الاندلسي أكثر سهولة وسلاسة وتراكيبه أكثر سلامة، وكلمة التراكيب في الشعر تعني الربط بين الجمل من حيث الإعراب فلا يكون الفاعل منصوبا ولا المفعول مرفوعا، وكذا إحكام سلامتها من الإغراب والتعقيد.

فمثلا هذا البيت الشعري: “وما مثله في الناس الا مملكا //// ابو أمه حي ابوه يقارب” فكثرة الضمائر في البيت الشعري جعلته صعبا الفهم والاستيعاب.

ثم يمتاز الشعر الأندلسي بقلة الألفاظ والكلمات الدخيلة عليه قياسا على الشعر المشرقي  او العباسي

كما يمتاز الشعر الأندلسي أيضا بالإسهاب والإطناب سواء في الشعر أو النثر والإسهاب يعني الإكثار والتطويل في الكلام، فضلا عن تناوله لبعض الأغراض الشعرية كوصف الطبيعة الجميلة والأزهار والحدائق الذي يختلف تماما عن وصف قساوة المناخ والصحراء في الشعر العربي.

هذا فضلا عن الإبداع في التشبيهات وروعة الكنايات كقول ابن برد الاصغر في طلوع الصباح: “وكان الليل حين لوى ذاهبا والصبح قد لاحا///// كلة سوداء أحرقها عامل اسرجها مصباحا”.

إضافة إلى القصد في المحسنات البديعية والاشارة الى حواديث التاريخ والاشخاص.

ارتباط الطرب الأندلسي والغرناطي بالثراث المغربي المغاربي الأندلسي:

الطرب الأندلسي أو كما يسميه المغاربة “الآلة”، وانتقل إلى المغرب و الجزائر و تونس مع أولى الهجرات الأندلسية بعد سقوط الأندلس. ويتميز هذا اللون بتعدد الألحان والإبداع في الأشعار ورونق الكلمات وعمقها المنظومة زجلا وملحونا

وإذا كان هذا الطرب بأصوله الأندلسية الأولى حيث ترعرع ونما على أيدي موسيقيين كبار أمثال زرياب وابن باجة وغيرهما، هو ذاته الذي حط رحاله بالجزائر وتونس وليبيا، واتخذ لنفسه حللا محلية وأسماء متمايزة ك “الغرناطي” في الجزائر و”المألوف” في تونس وليبيا، وقد أضفى عليها الفنانون المغاربة صبغة مغربية في اللحن والنظم حتى أصبح الطرب الأندلسي لصيق بالموروث الثقافي المغربي من حيث العزف والأداء والترديد حيث تغني الفرقة المتعددة الأفراد والتي قد تصل إلى مائة فرد، تغني في نفس الآن معتمدة على الإيقاع الواحد صوتا وموسيقى وهو ما يسمى ب “الميزان”.

ويتميز المؤدون لهذا الفن في حفلاتهم بارتدائهم ومحافظتهم على الزي التقليدي المغربي؛ “الجلباب الأبيض والطربوش الأحمر والبلغة”، وقد تتناول الموشحات موضوعات تمزج بين الموعظة والمزاح، وبين المدح والغزل الرقيق.

انشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: